نوبلزنيوز: أول بوادر دلت على التقمص هي أن بعض الأشخاص تذكروا حياتهم السابقة، وهذا يسمّى حسب قول مجلة جهينة السورية بالنطق.. فيقال فلان من الناس ناطق أي يحدث عن حياته السابقة على الأرض، والتاريخ في الغرب حافل بأسماء عدد كبير من العلماء الذين يذكرون أنهم عاشوا سابقاً على الأرض، وهذه الأقوال ولو أنها صدرت عن علماء يتصفون بالرصانة والصدق، فقد جرى التحقيق العلمي في كثير منها نذكر منهم: "إمرسن، باكون، تنيسون، دانتي دوما، الأب ديكارت، سبينوزا، شوبنهور، فلامريون، فولتير، كانت، لامرتين، نيتشه، إدوار يونغ".
وألقت المجلة الضوء على بعض نواحي هذه الظاهرة قائلةً: لم تشهد ظاهرة ما اختلافاً واتفاقاً بين الفلاسفة والمؤرخين ورجال الدين وعلماء النفس، مثلما شهدته ظاهرة التقمص حتى أن هذه القضية مازالت إلى اليوم تثير جدلاً مستمراً، ولئن حاول البعض ربطها بمعتقد ديني أو توجه فكري بعينه، فإنها ستبقى مع النتائج التي تتوصل إليها بين الفينة والأخرى ظاهرة مفتوحة على التأويل والتفسير بمختلف أبعاده ودلالاته.
وتعرضت المجلة في عددها الأخير إلى مفهوم التقمص محاولة كشف جذوره التاريخية، وكيف ينظر الناس إليه على أنه الظاهرة وكيف يفسرونها، وأوضحت أن معنى "تقمص" في اللغة العربية لبس القميص، وتقمص شخصية غيره قلّده، وحاكاه في سلوكه وهيئته، والتقمص عند البعض هو انتقال الروح من جسد إنسان إلى جسد إنسان آخر بعد الموت، وقد شغل الكثير من الفلاسفة والمفكرين ورجال الدين، وانتشر في أرجاء العالم كافة، حتى وصلت نسبة المؤمنين به إلى خمس عدد سكان العالم.
وأوضحت أن الكثير من المؤلفين، الذين يكتبون حول التقمص، يرون أن هذه العقيدة فكرة شرقية ليس لها أي أهمية في الغرب. وقد يكون هذا التأكيد صحيحاً إحصائياًَ، لأن التقمص يُعتبر من المسلمات عند البوذيين والهندوس والكونفوشستيين والطاويين والجاينيين والسيخ، بينما هو مرفوض من قبل الأديان المنزلة. أما الاعتقاد الآخر فهو أن فكرة التقمص، كانت منتشرة بشكل واسع في الثقافات الأوروبية القديمة، مثل اليونان والرومان.
وتابعت: كان قدماء العرب من أصحاب أقدم المعتقدات الدينية يؤمنون أن ثمة حياة ثانية للإنسان في عالم آخر وأن الروح باقية إلى أن تعود إلى أجسادها عندما يحين الوقت الذي يستأنف فيه الميت حياته الثانية، وكان تقديرهم الزمني للمدة الواقعة بين حدوث الموت والعودة إلى الحياة مرة أخرى ثلاثة آلاف سنة تقريباً، وقد قيل ذلك عن بعض الفلاسفة كـ "الكندي والسهروردي" وبعض المتصوفة كـ "الحلاج ومحي الدين بن العربي". فيما يعتقد الهندوس أن الروح تنتقل من إنسان إلى آخر، أي ينتقل الإنسان من حياة إلى أُخرى أحسن أو أسوأ بالنسبة للمؤهلات والقوة والضعف، ويعتقد الهندوس أن التناسخ يرفع المخلوق ويحيطه بحسب أعماله، وأن البوذيين كالهندوس يؤمنون بالتقمص وكلاهما يعتقد أن الحياة الأرضية يتخللها عذاب ناتج عن رغبة الإنسان في التمتع بالشهوات وملذات الدنيا وضعفه تجاه المغريات الدنيوية، وتعدّ فكرة التقمص من أبرز نواحي الفكر الهندي وقد ظهرت خلال القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد واتخذت شكلاً واضحاً وإن كانت معروفة منذ أقدم العصور.
ونقلت جهينة آراء بعض الجامعيين في الموضوع، وأظهرت أن منهم من يؤمن بالتقمص ومنهم من يبحث عن دليل لوجودها قبل الإيمان به، وبعد الجامعة توجهت جهينة إلى بعض القرى السورية التي شهدت حوادث وظواهر لأناس متقمصين لتستطلع آراء العامة ورؤيتهم لمفهوم التقمص، حيث نقلت عن سيدة قولها إن جارتها عندما زارت المدينة القريبة من بلدتهم وكانت برفقة طفلها فادي /8 سنوات/ استوقفها الطفل أمام الثانوية الصناعية وأخذ يروي لأمه أنه درس في هذه المدرسة، وأنه كان يأتي إليها سيراً على الأقدام من إحدى البلدات المجاورة، وسرح ببصره إلى أحد المفارق المؤدية إلى المدرسة، وقال لأمه: كنت آتي من هذا الطريق. استغربت الأم ما جرى لفادي وكانت تظن أنها أحلام يقظة، إلا أن والده أيقن أن فادي قد عاش حياة أخرى، وحين سأله عن الماضي أجاب فادي: أريد أن أذهب إلى تلك البلدة فأنا أتذكر أمي وأبي وإخوتي.. وكم كانت دهشة الوالد كبيرة عندما توجه فادي إلى أسرة بعينها لم يرها من قبل في تلك البلدة وأخذ يقبل يد الأب والأم ويعدد أسماء الإخوة واحداً واحداً وكأنه يعرفهم، وحين سأله أفراد الأسرة كيف عرفهم، ولماذا جاء إليهم قال: أنا ابنكم يحيى الذي توفيت في حادث منذ سنوات، وراح يبكي ويقصّ لأهله في الجيلين حوادث أذهلتهم لدقتها ومدى صدقها.
وللتوسع أكثر في تفسير معنى التقمص وعلاقته بتناسخ الأرواح نقلت جهينة عن الدكتور إلياس توفيق حاجوج المترجم والباحث في ظواهر التقمص وصاحب كتابي "أحاديث مع متقمصين- تجارب عملية" و "الشفاء عن طريق التقمص" قوله: في البداية لا بد لكل إنسان أن يطرح على نفسه السؤال الأزلي: لماذا خُلقت وما الحكمة من وجودي؟ وماهي الروح وما علاقتها بالجسد؟ ليجد نفسه أمام أسرار إلهية عظيمة لا يمكن أن يحيط بها العقل مهما بلغ من درجات الرقي والمعرفة، كما من الطبيعي أن يسأل نفسه هل هي جاهلة أم عالمة ومدى إقبالها على العلم والمعرفة والتبحر في أسرار الكون والخليقة.
ويضيف حاجوج: يجب على كل منا أن يدرك حقيقة النفس وفيضها الصادر من دائرة الإلوهية والعقل الأعلى، ويعرف أن سجن النفس الجزئية المنتمية إلى النفس الكلية في الجسد هو امتحان لطبيعتها الروحية في بحثها عن الفضيلة والخير والعمل الطيب، فهي مكونة من نور وظلمة، طاعة ومعصية، حلم وجهل، تواضع واستكبار، خير وشر. أما التقمص فهو قضية لا يمكن فصلها عن مجمل الأسئلة التي يقف إزاءها الإنسان في بحثه عن الغاية والحكمة من وجوده في هذا الكون، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالموت وفكرة بحث الإنسان عن ينبوع الحياة والخلود الأبدي، ومحاولته إيجاد تفسير منطقي للموت والفناء وانتقال الروح من جسد إلى آخر والذي قال فيه العلماء والفلاسفة والمفكرون الكثير الكثير وسيبقى الجدل ما بقيت الروح وما بقي الإنسان إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
وختمت المجلة تحقيقها بالتذكير أنه في عام 1957 عقد مئتان وخمسون عالماً من إحدى وعشرين دولة مؤتمراً في باريس أقروا فيه بوجود التقمص. وفي عام 1981 عقد اجتماع في مدينة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية كان مختصاً بالأشخاص الذين يتذكرون حياتهم السابقة. وتقول النتائج إن المعتقدين بخلود الروح وتكرار عودتها للحياة موجودون منذ أقدم الأزمنة، وإن أصحاب هذه العقيدة يتزايدون باستمرار خاصة في بريطانيا وأمريكا وأوروبا، ويقبل الناس على مطالعة الكتب التي تختص بشرح آراء العلماء بخلود الروح وتنقلها بالحياة من جسد ميت إلى جسد حي.