خمسون عاماً مضت على أهم تجربة وحدوية في تاريخ العرب. وفي مثل هذا اليوم قبل خمسين عاماً، كان المجلس النيابي في سورية يصوّت على قرار جريء وثوري يعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر.
حديثُ الوحدة طويل وعريض وله هوامش كثيرة، ولكن ما يعنيني في حديث الوحدة هو علاقته بالمشروع الإسلامي؛ فهل من الصواب القول بأنَّ الوحدة العربية نقيضٌ للمشروع الإسلامي؟ لقد شهدت سورية والبلاد العربية عموماً صراعاً غير مبرَّر بين المشروع القومي والمشروع الإسلامي، وكان هذا النزاع يشتدُّ تارة ويخفتُ أخرى، وطبعت ملامحه علاقات الفريقين بحدود دموية، وكان يبدو أنَّ المشروعين في تناقض.
من وجهة نظري، فإنَّ قول النبي الكريم : اعرفوا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، هو المكافئ الموضوعي لقوله: اعرفوا من تاريخكم ما تتحقق به وحدتكم، واعرفوا من أحوالكم ما تجتمع به كلمتكم. والوحدة العربية إذاً خطوة أولى ضرورية في مشروع الأمة الإسلامية، ولا تناقض بين المشروعين.
الأمة الإسلامية تتركَّز في خمس قوميات رئيسية، وهي: القومية الملاوية وتضمُّ أكثر من ثلاثمئة مليون مسلم في إندونيسيا وماليزيا والفلبين، والقومية الأوردية وهي تضمّ نحو أربعمئة مليون مسلم وتضمّ الهند وباكستان وبنغلادش، والقومية التركية وهي تضمّ تركيا وتركمانستان وأوزبكستان والقوقاز وهؤلاء يزيد عددهم على مئة مليون مسلم، والقومية الفارسية وهي تضمّ إيران وأذربيجان وطاجكستان وتحشدُ نحو مئة مليون مسلم، والقومية العربية وتضمّ نحو ثلاثمئة مليون مسلم.
ومن واجب كلّ قومية أن تجمع شتاتها وتحقق وحدتها، وتحافظ على هويتها. وهذه هي العناصر الرئيسة المكونة للأمة الإسلامية، وهناك قوميات مهمة أخرى تعدُّ عشرات الملايين في إفريقيا بوجه خاص، وهي في النهاية عمق إستراتيجي للعرب، وامتدادٌ طبيعي لقضايانا في العالم.
ولكنَّ ذكرى الوحدة لا يجوز أن تمرَّ دون أن نحيي البطل العربي الوحدوي الكبير، الذي ننساه عادة في غمرة الخطابات الثورية لزعيم الوحدة العربية جمال عبد الناصر، وهو البطل الصامت شكري القوتلي، الذي فعل كلّ ما يستطيع من أجل أن تتحقق أول وحدة عربية، وتخلَّى عن المنصب الرئاسي بعد أن شغله مرتين عبر انتخاب ديموقراطي حرّ بكفاءة واقتدار؛ من أجل أن يرى الحلم العربي الكبير في الوحدة. وحين تكسرت الوحدة، دخل الرجل في صراع مع المرض والأسى، ولم يستطع قلبه الكبير أن يتحمل بؤس النكسة، فرحل عام سبعة وستين شاهداً على عصر اصطرعت فيه الآمال بالأهوال، والملائكة بالأباليس، والقديسون باللصوص، ولكنه ظلَّ نقطة نور في تاريخ الوحدة العربية.
هل نفرح في العيد الذهبي للوحدة بأن نرى نصباً تذكارياً لهذه القامة الدمشقية العالية على الشارع الأخضر الذي يصل دمشق ببيروت، شارع بطل الديمقراطية والوحدة العربية شكري القوتلي؟ سؤال برسم محافظة دمشق المؤتمنة على تاريخ الشام.