لسوف تشاهدون رؤوسكم وهي تتدحرج أمامكم/
الأرواح في طنجرة هائلة لتطهير الدهر!/
ثلوج صفراء تهطل على الأرض ولا تذوب
هل هي حقاً ظواهر آخر الدنيا؟ المسألة لا تستند إلى نبؤات نوستراداموس فحسب، ولا إلى ما وصفها القس بات باترسون بـ»التعويذة الزنجية«، وحيث عظام الموتى تقرع الطبول، بدخول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وإنما أيضاً برؤيا الهندي يامار الذي تنبأ بزلزال هاييتي. تحدث عن قبائل ياجوج وماجوج. لا أحد يستطيع أن يراهم، لكنهم يحملون المناجل ويقطعون الأشجار، ويدمرون المنازل، ثم يرقصون جذلاً فوق القبور..
بدقة تحدث عن مكان الزلزال. بالطبع لا يعنى العراف العجوز والذي يهرب من الإعلام، كما الهروب من الكوليرا، وهو مصاب بالجذام على كل حال، بالتصدع الجيولوجي. ليس باحثاً ولا أكاديمياً، لكنه يرصد دبيب الكواكب تحت الأرض وفوقها. قدم وصفاً فوتوغرافياً للكارثة قبل وقوعها بنحو شهرين. لا أحد اكترث، لكنه كان يحمل عصاه في أحد أزقة كلكوتا ويدعو الناس إلى الصلاة كي لا يقع القمر...
شيخوخة الدهر
هذا في حين كان علماء غربيون يعتبرون، وعشية انعقاد قمة كوبنهاغن، أن النظام الكوني، وبسبب كثافة ثاني أوكسيد الكربون، أصيب بما يمكن أن يكون ترقق العظام لدى البشر. في لحظة ما قد يسقط كوكب فوق الكرة الأرضية التي تتناثر، في هذه الحالة، كما لو كانت آنية من الخزف..
يامار يرى أن القمر هو الذي سيقع. في إحدى صلوات السيخ، ثمة كلام حول شيخوخة الدهر. وكما في أكثر من مشهد ميتولوجي، فإن الصخور تطير، والغربان تنقض على النوافذ. وعندما يصدر ذلك الصوت الذي يشبه صوت بداية الكون (هل سمع العراف الهندي بالبينغ بانغ؟) تكون نهاية الكون..
لماذا هاييتي؟
كثيرون في هذا العالم سألوا لماذا هاييتي. كل ما في الأمر أن الناس هناك انتقلوا من موت إلى موت. ولكن لماذا حدث هذا فوق »عربة إغريقية«؟ يقال إن نوستراداموس (1503 - 1566) الذي تنبأ بالثورة الفرنسية (1789)، وبمصرع عدد من الملوك، وبظهور أدولف هتلر كان على تواصل روحي مع هوميروس الذي وضع الإلياذة بأبعادها الأسطورية، وحيث الآلهة تنتقل في تلك العربات الفضائية الغامضة. الأساطير الشرقية التي وصلت إلى دنيا العرب اكتفت ببساط الريح..
غداً، أو بعد غد، يستكمل دفن الضحايا في هاييتي. لا أسماء، ولا وجوه، ولا صلوات. لا وقت لكل هذا. الأولوية الآن لعلب الحليب والأدوية، وبطانيات الصوف، وأيضاً لرجال الشرطة الذين يمنعون اللصوص حتى من سرقة ثياب الموتى..
2012
لكن المعلقين طرحوا أسئلة خاطفة. ماذا لو أن الزلزال وقع في نيويورك أو طوكيو أو شنغهاي؟ حينذاك يقال إن شيئاً ما حدث في هذا العالم. ثمة كاهن ألماني ذهب وحيداً إلى بور - أو - برنس، حاملاً الإنجيل. قال إنه قصد المدينة ووقف على أطلالها، وبكى، اعتراضاً على »أزمة الروح« في الثقافة الحديثة، فالكاميرات التي سئمت من رتابة القتل في كابول أو بغداد أو روالبندي أو مقاديشو، ابتهجت. ها أنها أمام مشهد كما لو أنه متقطع، أو مقتبس، من فيلم 2012 حول نهاية العالم...
أين ضوضاء الأحاسيس؟ القس بات باترسون الذي طالما وصف بأنه المرشد الروحي للرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، أعاد الزلزال إلى عقاب إلهي، فسكان هاييتي السود، وقد أتي بهم في قعر السفن عام 1502، أي بعدما وطأتها قدما كريستوف كولومبس بـ8 سنوات، والذي يعتنق أكثر من 80 في المئة منهم الكاثوليكية، عقدوا منذ مائتي عام صفقة مع الشيطان..
العقاب لأنهم سود، ولأنهم يعتنقون الكاثوليكية التي يعتبر باترسون أنها تعاملت وثنياً مع نصوص الإنجيل. بالنسبة إليه التوراة هي الكتاب الإلهي الوحيد، وإن تردد أنه شديد التأثر بالتوراة، وإلى الحد الذي جعله يلوم الرئيس هاري ترومان لأنه اكتفى بإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي فيما كان يفترض أن يلاحق البرابرة (الشيوعية في نظره شكل ما من أشكال البربرية) في كل مكان.. هو الذي صلى كثيراً من أجل أن تحل اللعنة على مدن إسلامية كثيرة لأنه يرى فيها مصانع للهمجية. ثمة تلامذة كثيرون له داخل المحافظين الجدد، ونظرتهم إلى الإسلام هي النظرة التي لدى الحاخامات وهم يقيمون صلوات خاصة من أجل أن تتدخل الملائكة المدمرة وتجهز على العرب..
الهواء يمتلئ بالدم
نوستراداموس تنبأ بأن يتبوأ أسود، وقادم من الأدغال، إمبراطورية الإمبراطوريات، كما تنبأ بالمتاهات الآسيوية، وبحرب في الشرق يمتلئ خلالها الهواء بالدم. وكل هذه مؤشرات على أن نهاية العالم أزفت، وأن الماشيح وضع عباءته على كتفيه استعداداً للذهاب إلى الأرض...
والواقع أن منجمين ودعاة من أصقاع مختلفة يتولون، ومنذ سنوات، تسويق فكرة نهاية العالم. حتى أن الحوثيين في اليمن يعتبرون أن حسين بدر الدين الحوثي (عليه السلام كما يقولون) هو المهدي المنتظر. الرجل قتل منذ سنوات، لكنهم يقولون إنه اختفى، ولكن ليظهر مجدداً بين ليلة وضحاها..
المسألة لا تقتصر على المجتمعات الإسلامية. في الغرب أيضاً تصدر نبؤات، وكتب، تسرد المؤشرات ومنذ أحداث نيويورك في 11 أيلول/ سبتمبر 2001 (على أنها إحدى علامات الساعة)، على أن الكرة الأرضية اقتربت من اليوم الأخير. والذين يستندون في الغرب إلى تفسيرات دينية تعود إلى القرون الوسطى، يقدمون صوراً راعبة لنهاية العالم. »بالتأكيد« سوف تشاهدون رؤوسكم، وهي تتدحرج أمامكم، وعبثاً تحاولون اللحاق بها والتقاطها..
خروج التنين
وحتى عند بعض الفئات البوذية يخرج التنين، بشكله المخيف، وبأسنانه الصفراء التي كما لو أنها »حجارة الموت«، ليضع الأرواح كلها في طنجرة هائلة. الطنجرة على النار بطبيعة الحال. كل هذا من أجل تطهير الدهر من »الثقافات القذرة«. وعندما تنتهي مهلة التعذيب، تظهر كائنات بشرية جديدة وبلغة تشبه لغة البلابل...
هاييتي، إذاً، مجرد لقطات تلفزيونية باهرة وتراجيدية في آن. الزلزال دفع إلى الضوء أولئك الذين يقولون بنهاية العالم. تحدثوا عن التصدع المالي، والتصدع الاستراتيجي، وحتى التصدع العقائدي، وقالوا إنها النبؤات تتحقق. من نيبال خرج أحد الكهنة ليتحدث عن »ثلوج صفراء تهطل على الأرض، ولا تذوب«، عاد إلى نصوص قديمة، ودعا مريديه إلى الانتحار تجنباً لهذه اللحظة. ولكن من قال إن الثلوج لا تتساقط على الموتى أيضاً؟