نوبلزنيوز: من الواضح أن إسرائيل تتخبط، والمفارقة أنها تعيش ذروة القلق الوجودي في لحظة وصولها إلى ذروة في القوة العسكرية، فقد ركبت أعلى ما في خيلها في حربها الأخيرة على غزة، وبالغت في فرض الحصار فلم يعد شرفاء العالم يطيقون مزيداً من الصمت، فكان تقرير جولدستون الشهير، ثم كانت رحلة "شريان الحياة" التي انطلقت من بريطانيا بلد "وعد بلفور" لكسر جدار الحصار. وقبل أيام قليلة أقدمت إسرائيل على تصرف سخيف يدل على تضخم حجم الحماقة التي يعيشها المتغطرسون في إسرائيل حين حاولت إهانة سفير تركيا، وقد وصلت العلاقات بين البلدين إلى الحافة، ولاسيما أمام الموقف التركي الصلب والشجاع في الدفاع عن كرامة تركيا ومكانتها الدولية، مما اضطر الخارجية الإسرائيلية لتدارك الموقف وتقديم اعتذار علني. لكن التصرف بحد ذاته يكشف ما تخبئ نفوس المسؤولين الإسرائيليين من استهانة بالقيم والأعراف الدولية، ونظرة الاستعلاء على الآخر، وقد عبر عنها نائب وزير الخارجية الإسرائيلي حين جعل كرسيه (بسخف ) أعلى من كرسي السفير التركي كي يبدو أعلى منه شأناً، وحين رفض وضع العلم التركي على الطاولة.
ومثل هذه الحماقات التي قد تبدو صغيرة تكشف عن مرجعياتها الفكرية المتطرفة وعن حقيقة المشاعر البغيضة التي تملي المواقف التافهة. والعجيب أن السبب المعلن للموقف هو احتجاج إسرائيلي على تقديم قناة تلفزيونية تركية مسلسلاً بعنوان "وادي الذئاب" يتحدث عن جرائم إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين، فإسرائيل لا تقبل من أحد في العالم أن يعترض على جرائمها أو أن ينتقدها، بل تريد تأييداً دولياً لهذه الجرائم، وأي شخص يرفض قتل إسرائيل لأطفال فلسطين أو يعترض على هدم منازلهم هو معاد للسامية بالضرورة. ويبدو أن الغرور الإسرائيلي يريد من جميع دول العالم تفويضاً بقتل وإبادة الفلسطينيين كي تؤكد هذه الدول للصهيونية أنها لا تعادي السامية! ولم يكن مفاجئاً لأحد ما حدث من تصعيد إسرائيلي في التصريحات ضد تركيا، فمنذ أن عبر أردوغان أمام بيريز عن غضبه وغضب شعبه من جرائم إسرائيل التي تتابع قتل أطفال غزة وتحاصرهم، بدأت وسائل الإعلام الصهيونية حملة مبرمجة ضد تركيا شاركتها فيها التجمعات الصهيونية الدولية، وكان من آخرها تصريحات بعض اليهود الذين يعيشون في تركيا الذين ادعى بعضهم أنهم يعيشون في حالة خوف من هجمات قد يقوم بها المسلمون الأتراك ضدهم. والعجيب أن ينسى يهود تركيا أن مسلمي تركيا هم الذين احتضنوهم قروناً منذ جاءوا إلى تركيا لاجئين هاربين من إسبانيا، وأن العرب المسلمين هم الذين حموهم وأخذوهم معهم إلى بلدان المغرب العربي وبعضهم جاء إلى بلاد الشام، وهم إلى اليوم يعيشون في أمان وطمأنينة لم يعتد عليهم أحد حتى في أيام الحروب التي قامت بين إسرائيل والعرب، ولم تسجل أية حادثة اعتداء من عربي أو تركي أو أي مسلم (كائناً ما كانت قوميته) على يهودي في حرب 48 أو في حرب 67 أو في حرب 73 أو في حرب لبنان، فاليهود الذين يعيشون في البلدان العربية أو الإسلامية في العالم كله يجدون الأمن والطمأنينة ولا يحملهم المسلمون أية مسؤولية عن جرائم إسرائيل. بل إننا نعلن دائماً أن الصراع هو ضد الصهيونية وإسرائيل المعتدية على الحقوق العربية وليس ضد اليهودية. ولكن الصهيونية التي تسعى إلى الفتنة وإلى إيجاد ذرائع لتدخل دولي في البلدان الإسلامية "تفبرك" حوادث تقدم المبررات وتدعو المجتمعات الغربية للتعاطف مع الصهيونية. ولا أستبعد أن تكون التفجيرات التي حدثت في إسطنبول عام 2003 أمام كنيس يهودي وأمام مصرف بريطاني، من نوع هذه التمثيليات التي تقوم بها أجهزة الموساد وتضحي فيها بأبرياء كي تحقق مكاسب سياسية بعيدة المدى، وكي تبتز العالم الغربي وتجبره على مناصرتها، وكلما وجدت إسرائيل فتوراً في التعاطف من قبل أوروبا تسارع إلى افتعال أحداث إرهابية وتشغل ماكينة الإعلام الذي يهول ويضخم. ويبدو أن الإسرائيليين لم يهضموا التغير الحاصل في السياسة التركية وفي توجهها إلى العالم العربي، والبعض فسر ذلك بأنه ردة فعل على الموقف الأوروبي من تركيا بشأن انضمامها إلى اتحاده، متجاهلاً أن تركيا تنطلق في سياستها الراهنة من تاريخ مكانتها في العالمين العربي والإسلامي، ومن كون شعبها مسلماً ومسيحياً لا يقبل ما ترتكبه إسرائيل من جرائم، ومن استهانة بقرارات الشرعية الدولية. وقد بذلت تركيا جهداً كبيراً لتحقيق السلام لكن الإسرائيليين نقضوا العهد والاتفاق وفاجأوا تركيا والعالم بحربهم على غزة مما جعل الجهد التركي يضيع هباء.
وأولى بإسرائيل أن تخجل من صور القتل المريعة التي قامت بها في غزة وانتشرت في العالم كله عبر الإنترنت قبل أن يظهر مسلسل "وادي الذئاب"، فقد قتلت على مرأى العالم آلاف الفلسطينيين، ودمرت بيوتهم ومنشآتهم، وفرضت عليهم حصاراً فوق الأرض وتحتها، وهي تريد أن تواري سوأتها مع إصرارها على أن من حقها أن تقتل وأن تدمر. وبيانها الذي انتقدت فيه تصريحات أردوغان في مطار إسطنبول دليل على حماقة مسرفة، لأن أردوغان لم يقل شيئاً يخالف الحقيقة التي يعرفها العالم كله. لقد دعا في تصريحاته إلى الضغط على إسرائيل لأنها تستمر في انتهاكاتها الجوية والبحرية، وقال هذا أمر لن نقبل به أبداً. وكان حرياً بإسرائيل بدل أن تنتقد التصريحات أن تقدم أدلة للمجتمع الدولي تبرهن فيها على أنها لا تقوم بانتهاكات وأن ما قاله أردوغان ليس صحيحاً، لكنها تعلم أنه صحيح تماماً، وفي ردها على مسلسل "وادي الذئاب" (وعلى مسلسل تركي آخر احتجت عليه وكان عرض في أكتوبر الماضي وقدم صوراً لفلسطينيين عصبت أعينهم وقتلوا برصاص الجنود الإسرائيليين) كان عليها أن تقدم الدليل على أنها لم تقم بقتل أطفال فلسطينيين ولم تهدم بيوتهم ولم تحاصرهم وتمنع عنهم الطعام والدواء وكل وسائل الحياة. لكن إسرائيل لا تملك أمام الحقائق التي تدينها بوضوح أمام العالم سوى أن تشهر سلاحها التقليدي وتتهم من ينتقدها بمعاداة السامية. وأعتقد أنها واجهت مشكلة أمام تقرير جولدستون وتقرير "فولك" حيث لم يكن بوسعها أن تتهم الرجلين بمعاداة السامية لأنهما يهوديان.
ويعبر هذا التخبط الإسرائيلي عن عمق الأزمة التي تواجهها إسرائيل اليوم، فقد اتضح أمام العالم أنها لا تريد السلام، وأنها تعطل المفاوضات، ولا تفي بأي التزام تعهدت به، وهي التي سدت الآفاق الرحبة التي انطلق نحوها الرئيس أوباما، وجعلته يواجه مشكلة مصداقية أمام العالم كله بعد خطابيه الشهيرين في إسطنبول والقاهرة. وقد نجح تهكم نتنياهو على الخطابين في سد طريق الأمل الذي تفاءل به أوباما حين بدا جاداً، لكن الإسرائيليين واللوبي الصهيوني في أميركا سرعان ما طوقوا آماله في أن يحقق تسوية سلمية. لقد رفضوا كل العروض التي كانت تفتح معبراً في الطريق المسدود الذي يواجهونه اليوم، ويبدو أن فشلهم المريع هو الذي يجعلهم يتخبطون، فقد ارتكبوا من الجرائم ما لم يقدر العالم على تحمله، وفوجئوا بتحرك الضمير الأوروبي الذي بات يطالب بمعاقبة مجرمي الحرب في إسرائيل، وكانت مفاجأتهم الأكبر ظهور شرق أوسط جديد سيتسع ويكبر وستنضم إليه دول شقيقة وصديقة عديدة، وهو شرق يمد يد الصداقة لأوروبا وللعالم كله، وهدفه تحقيق الأمن والسلام في المنطقة، والتفرغ للتنمية ولتحقيق مصالح الشعوب، وإنهاء الحروب التي لم تحقق سوى الدمار.