بعد ان كتب ونشر وصيته وهو بكامل قواه العقلية، وقد عمّر طويلاً حتى صار يخشى ألا يموت، بعد أن شبع من الدنيا ، هاهو ولأسباب خاصة يرغب في بيع التحف الأثرية الصينية التي يملكها، وبالسعر الملائم
العنوان برزة مسبق الصنع - المرحلة الرابعة على اليمين- خزان الكهرباء مباشرة- بناء 47 الطابق الأول حنا مينه 25/10/2009).
الإعلان كما نشرته صحيفة تشرين الحكومية في بحر الأسبوع الماضي، وأعتقد أنه مر مرور الكرام على وسطنا الثقافي والإعلامي، وربما اعتقد البعض أن الأمر مجرد تشابه بالأسماء بين المعلن والروائي الكبير حنا مينه.
ويبدو انه شعر بأن اعلانه هذا هو اخر الانذارات وذلك حتى لايترك لنا اي شيء منه نعتز به لاننا لانستحق ولا أدري بالضبط ماهي الأسباب الخاصة التي أدت لأن يعلن حنا مينه عن بيع مقتنياته الأثرية، وهي تشكل ذكرياته وتاريخ رحلته في الحياة والأدب، أن يعلن حنا مينه أو أي مبدع سواه عن بيع تحفة أو قطعة أثرية أو حتى كتاب حوته مكتبته ذات يوم هذا يعني أن العالم آخذ بالخراب الذي اقتربنا من بشائره.
ترى ما الذي يجبر رجلاً كبيراً كـ (مينه) ينام على ما يقارب القرن من العمر على أمر كهذا، رجل ينام على كومة من الروايات والذكريات، ينهض معه كلما استيقظ صباحاً وطن من هلع وبحر وموت وضحكات ونساء وثورات، وطن غارق بالأحداث والتقلبات، وقهقهات الثملين عند البحر.
إعلان مينه شهادة صارخة على ترهل زمننا الثقافي، وتهلهل مؤسسات الثقافة التي لا دور لها ولا رائحة، ووصمة عار قد تلحق بنا جميعاً نحن الذين قرأناه، ورددنا عناوينه التي تشبه غروبنا الحالي، إعلان مينه دليل يؤكد أن الغشاوة التي تغطي عيوننا اقتربت من العمى.
ليس ضرباً من الجنون، أو صفقة خاسرة، أو جمع أموال من أجل مشروع استثماري، وليس بطراً ذاك الذي أجبر مينه على عرض أجمل ما في بيته وأعزه للبيع، من المؤكد أن أمراً ليس بالعادي قد حدث، أن أمرا افتضح عجزنا، وتقصيرنا أفراداً ومؤسسات، فمن المعيب أن يصل اسم كحنا مينه إلى ما وصل إليه، وليس سهلاً عليه ذلك، ولكنه عصرنا الذي صغرت فيه القامات
حد التلاشي، وهانت رموزنا حد بيع كتبها وتحفها وذكرياتها.
حنا مينه أيها المحارب القديم..أشكو الثقافة وما آلت إليه إليك، فذات يوم وصف رئيس اتحاد الكتاب العرب الدكتور حسين جمعة من انتقدوه وعلى صفحات جريدة يومية مستقلة بالكلاب، أنت الذي قلت يوم تأسيس هذا الاتحاد عندما طلب منكم ورقة لا حكم عليه(طوبى للخراف)، مراكزنا الثقافية يا سيدي متخصصة بدورات الكمبيوتر، وندواتها للمحاضر وأقاربه، وأمسياتها الشعرية للمناسبات والمعارف، وبعضها في المدن النائية تديرها شرطة البلديات، وبعضها غرفة واحدة لاستعمالات عدة.
مات المهرجان المسرحي الذي كنا ذات يوم ليس بالبعيد نتدافع على أبوابه، ومهرجان السينما تحول إلى كرنفال للقاء النجوم، وصالات السينما لنوم المسافر والطلاب الهاربون من المدرسة، والشواذ الحالمون بصيد ولد جميل.
أيها المحارب...راتبك التقاعدي لا يكفي ثمناً للدخان الذي تنفثه رئتيك، ولا لاصطفاف الزجاجات الفارغة من الثمل، ولا لخريف عمر.
ربما..هل أقول بعد عمر طويل..ستهرع وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب للمناداة بتسمية أحد شوارع اللاذقية باسم حنا مينه على اعتبارك ابناً لها..ربما سينتصب تمثال من الرخام وسط ساحة لتخليدك..ربما يكتب الشعراء المراثي، ويستجاب لوصيتك في أن لا يؤبنك أحد..سيؤبنك البحر..وعارنا.
ملحق: من وصية حنا مينه
أنا حنا بن سليم حنا مينه، والدتي مريانا ميخائيل زكور، من مواليد اللاذقية العام 1924، أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية، وقد عمّرت طويلاً حتى صرت أخشى ألا أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني أنه «لكل أجل كتاب».
لقد كنت سعيداً جداً في حياتي، فمنذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذور للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء، وانتصرت عليه، وهذه نعمة الله، ومكافأة السماء، وإني لمن الشاكرين.
هل يعقل ان يصل باحد رموز بلدنا العظماء من الادباء الى هذا الوضع ؟؟ اين وزراة الثقافة ؟؟ اين رئاسة الوزراء ؟؟ اين القطاع الخاص؟؟ اين شركات الخليوي عوضا ان تتبنى مطربة صاعدة ماذا لو تبنيتم احد اعمال هذا العملاق من بلدكم ؟؟ او انكم تحبون الاقزام؟؟ والله عيب ان يصل الاديب حنا مينة الى هذا الوضع ؟؟ الاولون اخرون!! والاخرون اولون انها علامات القيامة؟؟
-
أعتقد أن الروائي العظيم حنا مينا أحق بالتكريم ومراعاة شيخوخته من المطربة صباح،والمطرب وديع الصافي ,نحن لا اعتراض لنا على ذلك بيستاهلو لكن اكيد حنا مينا بيستاهل كمان وهو على الاقل ابن البلد ومبدع كبير ارجو تخصيص راتب تقاعدي للكاتب الكبير وتعيين موظف لمساعدته على إدارة شؤون حياته