اللقاء الذي جمع الراحل سعد الله ونوس بجان جينيه في فندق سميراميس بدمشق عام 1974 حمل محاورة من نوع ثقافيٍ خاص؛ لم يتوان ونوس بأسئلته التي خصها بمؤلفات ومواقف جينيه إزاء الفلسطينيين والسود والكوبيين، ففي سؤال وجهه صاحب الأيام المخمورة لضيفه يقول له: (يحار المرء فيما إذا كنتَ في مسرحيتك (الخادمات) تدافع عن الخدم ضد سادتهم، وفيما إذا كنتَ تقف في مسرحية الزنوج إلى جانب السود في صراعهم مع البيض أم العكس، ما أحسسناه هو الشعور بالضيق..)، فيجيب جينيه على السؤال بالعبارة التالية: (أردت فقط أن أكتب مسرحيات، وأن أبلور انفعالاً مسرحياً ودرامياً، فإذا كانت مسرحياتي تخدم السود، فإن ذلك لا يهمني.
وعلى أي حال فإنني لا أظن ذلك؛ أعتقد أن الفعل والصراع المباشر ضد الاستعمار يخدمان السود أكثر مما تخدمهم سهرة مسرحية).
كلام قاله جينيه عن مسرحيته التي كتبها عام 1947، إذ يبدو في إجابته على سؤال الراحل سعد الله، وجهاً لوجه مع التزاماته الأخلاقية الخاصة تجاه ما آمن به وسعى لتحقيقه في نصوصه التي ارتكبها، كـ (يوميات لص)، (روتردام الورود) 1944، (معجزة الوردة) 1946، (الموكب الجنائزي) 1947، روايات كتب من خلالها سيرته الذاتية عن عالمه السفلي الذي عاد إليه فيما بعد ليصيغ نماذج فريدة من النصوص المسرحية، بالطبع لم تكن الخادمتان سوى حلقة من عدة مسرحيات كتبها هذا الضلّيل انتقاماً من حياة قضاها في دار للأيتام بعد أن وجِد ملفوفاً بقماط أودعته إياه أُماً لن يعرفها أبداً، فمسرحيات مثل (البرافانات) ، (الزنوج)، تكاد تكون مشهداً مطولاً من حياة الحضيض الذي عايشه جينيه يوماً بيوم، حيث يمكن لنسائه أن يُظهرن الانقلاب الجذري الاجتماعي مُجسداً بالقمع الجنسي التاريخي للمرأة أينما وجدت. لقد تماهى جينيه - لاسيما في مسرحية الخادمتان- مع هذا النموذج الحسي للثورة ضد أي نوع من أنواع السلطة، فمثلما تبينت في (الزنوج) كراهية المرأة السوداء لذاتها، سنرى في (الخادمتان) التي عاد جواد الأسدي بعد ستة عشر عاماً نوعاً مسرحياًً جديداً للتعبيرية القاسية، ليقدمها بالتعاون بين مسرح بابل - بيروت و من إنتاج دار الأوبرا السورية، وفق قراءة اختلفت عما قدمه المخرج العراقي عام 1994 على مسرح (بيروت)، والقباني في دمشق. هذه القراءة التي نهلت من المعين الجوهري لجينيه تجاه الكراهية الذاتية في مجتمع العبيد ضد بعضهم البعض، الدونية المتباهية بحقدها تجاه أترابها؛ (كلير - ندى أبو فرحات) المرأة الذهانية المثلية، المدهونة بمرطبات وعطور سيدتها الغائبة، والتي آثر المخرج أن يعرّفنا إلى سيدتها عبر شاشة السلايدز، مذكراً بالممثلة اللبنانية (رينيه ديك) التي لعبت دور السيدة في المسرحية ذاتها بداية تسعينيات القرن الفائت، والتي كانت تحت إدارته قبل أن يلمّ بها مرض عضال أصاب جملتها العصبية. بدورها (كلير) فرحات التي تلبس أثواب ومصاغ سيدتها الغائبة مراراً وتكراراً، ستلقي بجبروتها الأنثوي على رفيقتها (صولانج - كارول عبود) عبر لغة عربية فصحى تكيل الشتائم بلهجة عامية لبنانية، سيحدث ذلك في مرايا السيدة أيضاً، ليستبد بالمرأتين مزيج من هواجس القتل والإغواء المثلي والرغبة في احتقار الذات وإهانتها. هذه المواجهة سيتركها الأسدي على مستويين من الفرجة، الأول: علوي ومائل وسط مربع من الضوء المرفوع إلى مستوى الصالة، فالمتفرج هنا، وكما في كل أعمال جواد، يلتقي مباشرةً بالحضور الوحشي لممثل خرج عن عقاله، بمعنى اللعب على المسافة النفسية بين المتفرج والممثل، تقريب وتبعيد بين مقدمة الخشبة الضاربة في عمق كراسي الفرجة و بين الخواء المجهول والغامض في عمق الخشبة. من هنا، لا يوفر المخرج جهداً في الانقضاض على جمهوره، طريقة كان الأسدي ولا يزال يستخدمها للهيمنة على عواطف المتلقي، لكنه هذه المرة يركّز أكثر فأكثر على (ستربتيز) نوعي لكارول وندى. في المستوى الثاني تحت الأرضي لخادمتين تداهمهما خطوات السيدة المُشتهاة في أحذيتها الملونة ذات الكعوب العالية، أوامرها الطغيانية، استبدادها النسائي على بنات جنسها.
هذا الحرملك العابق بالقتل ليلياً تحت ضوء القمر..، لا يعرف الرحمة، فالعبيد كما يقول جينيه على لسان (كلير): (ليسوا بشراً)، احتقار يصل حد البصاق على صورة السيدة في مرآتها الفضية، هذه المرآة التي يشخصها جينيه نفسه في الحوار ذاته الذي أجراه ونوس معه بداية سبعينيات القرن الفائت، بقوله مخاطباً العرب: (كيف تقوم الثورة وأنتم تتخبطون في لعبة مرايا شبيهة بشبكة العنكبوت؟ في موضع آخر من الحوار يضيف جينيه: (أعتقد أن شرط قيام أي ثورة جذرية هو أن تكسروا المرآة الغربية على المستويين الثقافي والنفسي).
لقد كان جينيه متعاطفاً مع القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية، لكن هذا التعاطف لم يكن يندرج تحت أخلاق الشفقة التي عززها الغرب بعد نهاية العصور الكولينيالية. لقد كان تعاطفاً فيه الكثير من نموذج صولانج وكلير؛ العبيد الذين يكرهون أنفسهم والذين يتوجب عليهم تحت أي ظرف من الظروف أن يتخلصوا من هذه اللذة في احتقار ذواتهم، أي كسر المرآة - النموذج، التي يرون فيها عقدهم المزمنة. ربما كانت قراءة الأسدي هذه المرة، على مسرح الاستعمالات المتعددة، أكثر عمقاً، لكن فيها من التشاؤم الكثير، فتفوق السادة على عبيدهم حتى في غيابهم عنهم، يكاد يكون حتمياً. إنها تراجيديا منتهية حتى قبل أن تبدأ، لذلك تنتحر كلير مفضلة الخلاص الفردي على لعب دور السيدة التي تشتهيها في مناماتها، ورغبتها الأليمة بالانعتاق. مسرحية تحملها الموسيقا الممزوجة بصوت قطار يمر عبر المسرح إلى كراسي الجمهور، رغبة فنية لصاحب (حمام بغدادي) في صياغة سينوغرافيا عالية لكنها تتورط من جديد بفهم قديم عن فن المسرح، إذ لم يتنازل المخرج عن أخذ ممثليه إلى حافة الانهيار العصبي، ناهيك عن حبوب الهلوسة التي وزعها أنطونان آرتو في مسرح القسوة مضافاً إليها تلك السادية الجذابة لامرأتين تشهران اللذة وتبطنان الموت الفصيح بلغته العامية المستعملة كنوع من البذاءة الفائضة عن الحاجة، أو للإعلان /بلا مناسبة/ عن مقاهي بيروت الثقافية التي تموّل مسرح بابل في شارع الحمراء.